فخر الدين الرازي
529
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الرابعة : الفاء في قوله : فَانْفَجَرَتْ متعلقة بمحذوف أي فضرب فانفجرت أو فإن ضربت فقد انفجرت . بقي هنا سؤالات : السؤال الأول : هل يجوز أن يأمره اللّه تعالى بأن يضرب بعصاه الحجر فينفجر من غير ضرب حتى يستغني عن تقدير هذا المحذوف ؟ الجواب : لا يمتنع في القدرة أن يأمره اللّه تعالى بأن يضرب بعصاه الحجر ومن قبل أن يضرب ينفجر على قدر الحاجة لأن ذلك لو قيل إنه أبلغ في / قيل : إنه أبلغ في الإعجاز لكان أقرب ، لكن الصحيح أنه ضرب فانفجرت لأنه تعالى لو أمر رسوله بشيء ، ثم إن الرسول لا يفعله لصار الرسول عاصياً ، ولأنه إذا انفجر من غير ضرب صار الأمر بالضرب بالعصا عبثاً ، كأنه لا معنى له ولأن المروي في الأخبار أن تقديره : فضرب فانفجرت كما في قوله تعالى : فَانْفَلَقَ [ الشعراء : 63 ] من أن المراد فضرب فانفلق . السؤال الثاني : أنه تعالى ذكر هاهنا : فَانْفَجَرَتْ وفي الأعراف : فَانْبَجَسَتْ [ الأعراف : 16 ] وبينهما تناقض لأن الانفجار خروج الماء بكثرة والانبجاس خروجه قليلًا . الجواب من ثلاثة أوجه : أحدها : الفجر الشق في الأصل ، والانفجار الانشقاق ، ومنه الفاجر لأنه يشق عصا المسلمين بخروجه إلى الفسق ، والانبجاس اسم للشق الضيق القليل ، فهما مختلفان اختلاف العام والخاص ، فلا يتناقضان ، وثانيها : لعله انبجس أولًا ، ثم انفجر ثانياً ، وكذا العيون : يظهر الماء منها قليلًا ثم يكثر لدوام خروجه . وثالثها : لا يمتنع أن حاجتهم كانت تشتد إلى الماء فينفجر ، أي يخرج الماء كثيراً ثم كانت تقل فكان الماء ينبجس أي يخرج قليلًا . السؤال الثالث : كيف يعقل خروج المياه العظيمة من الحجر الصغير ؟ الجواب : هذا السائل إما أن يسلم وجود الفاعل المختار أو ينكره ، فإن سلم فقد زال السؤال ، لأنه قادر على أن يخلق الجسم كيف شاء كما خلق البحار وغيرها ، وإن نازع فلا فائدة له في البحث عن معنى القرآن والنظر في تفسيره ، وهذا هو الجواب عن كل ما يستبعدونه من المعجزات التي حكاها اللّه تعالى في القرآن من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، وأيضاً فالفلاسفة لا يمكنهم القطع بفساد ذلك لأن العناصر الأربعة لها هيولى مشتركة عندهم ، وقالوا : إنه يصح الكون والفساد عليها ، وإنه يصح انقلاب الهواء ماء وبالعكس وكذلك قالوا : [ الهواء ] إذا وضع في الكوز الفضة جمد فإنه يجتمع على أطراف الكوز قطرات الماء ، فقالوا : تلك القطرات إنما حصلت لأن الهواء انقلب ماء فثبت أن ذلك ممكن في الجملة والحوادث السفلية مطيعة للاتصالات الفلكية ، فلم يكن مستبعداً أن يحدث اتصال فلكي يقتضي وقوع هذا الأمر الغريب في هذا العالم . فثبت أن الفلاسفة لا يمكنهم الجزم بفساد ذلك . أما المعتزلة فإنهم لما اعتقدوا كون العبد موجداً لأفعاله لا جرم قلنا لهم : لم لا يجوز أن يقدر العبد على خلق الجسم ؟ فذكروا في ذلك طريقين ضعيفين جداً سنذكرهما بأن شاء اللّه تعالى في تفسير آية السحر ، ونذكر وجه ضعفهما وسقوطهما . وإذا كان كذلك فلا يمكنهم القطع بأن ذلك من فعل اللّه تعالى فتنسد عليهم أبواب المعجزات والنبوات ، أما أصحابنا فإنهم لما اعتقدوا أنه لا موجد إلا اللّه تعالى لا جرم جزموا أن المحدث لهذه الأفعال الخارقة للعادات هو اللّه تعالى ، فلا جرم أمكنهم الاستدلال بظهورها على يدل المدعي على كونه صادقاً . السؤال الرابع : أتقولون إن ذلك الماء كان مستكناً في الحجر ثم ظهر أو قلب اللّه الهواء ماء أو خلق الماء ابتداء ؟ والجواب : أما الأول فباطل لأن الظرف الصغير لا يحوي الجسم العظيم / إلا على سبيل التداخل وهو